محمد سليم الجندي

15

تاريخ معرة النعمان

ختموا ، ودّعوا ، وأمنوا ، ابتدأ الذاكرون بالذكر قياما وقعودا على النمط المعروف ، وعلت أصواتهم بالصيغ المألوفة ، والمنشدون يحثونهم ، كما تحث الحداة الإبل على السير ، فإذا انتهوا دعا كبيرهم أو غيره من الشيوخ المدعوين وانتهت أعمالهم ، فيدعوهم صاحب الدار إلى الموائد التي وضعت عليها الأطعمة والفواكه فيقومون إليها ، ويأكلون على قاعدة الأكل على قدر المحبة ، فإذا انتهوا غسلوا أيديهم وشربوا القهوة ، ثم ودعوا الداعي وانصرفوا ، وهو يعطي المأجورين منهم أجورهم كلا على حدة بصورة سرية ، ثم يوزع الداعي شيئا من العوامة على الجيران والأقرباء والاخدان . وفي اليوم التالي يوزع على كل من يريد اطعامه منها ، والناس لا يتسامحون بطلب العوامة ، ويعتبون على أهلها إذا لم يطعموهم . وقد تغيرت بعض هذه العادات ، وصار للموت والجنازة آداب ونظم وقوانين لا بد منها ، وقد أخذ بعضها عن الفرنجة ، وبعضها نشأ من حب التنافس والظهور واظهار الفضل على الفقراء والبائسين ، وهذه صورتها مجملة : إذا مات الميت اجتمع أهله ، وألبسوه ثيابا متوسطة أو فاخرة ، وجمعوا ما يخافون عليه من السرقة من أمواله ، فإذا فرغوا من ذلك ، ولول النساء ، أي رفعن أصواتهن بكلمة ( اولي ) ، وأصلها ويلي ، فيعدنها مرات متتابعة ، وهذه نعي للميت ، واعلام بموته ، فتتوافد النساء من كل حدب وصوب ، ويشاركن نساءه في الولولة ، وكل واحدة تستفرغ مجهودها في رفع صوتها لتبرهن على أنها شديدة الحزن على الميت . ويجتمع الرجال من أهل الميت في داره ان كان فيها متسع ، والا اجتمعوا في بيت قريب من بيته لأحد أقربائه ، أو أصدقائه يجتمع فيه أهله وذووه إلى